محمد حسين هيكل
304
حياة محمد ( ص )
ولا تعسّر . وبشر ولا تنفر . وإنك ستقوم على قوم من أهل الكتاب يسألونك : ما مفتاح الجنّة ؟ فقل : شهادة أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له » . وذهب معاذ ومعه طائفة من المسلمين الأولين ومن الجباة يعلّمون الناس ويقضون بينهم بقضاء اللّه ورسوله . وبانتشار الإسلام في ربوع شبه الجزيرة من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها ، أصبحت أمة واحدة يظلها لواء واحد هو لواء محمد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، وتدين كلها بدين واحد هو الإسلام ، وتتجه قلوبها جميعا إلى عبادة اللّه وحده لا شريك له ؛ هذا بعد أن كانت إلى قبل عشرين سنة قبائل متنافرة ، تشن إحداها الغارة على غيرها كلما وجدت في ذلك مغنما . وبإنضوائها تحت لواء الإسلام طهرت من رجس الوثنية واستراحت إلى حكم الواحد القهار . وبذلك هدأت الخصومات بين أهلها ، فلم يبق لغزو أو خصومة موضع ، ولم يبق لأحد أن يستل سيفه من قرابه إلا أن يدافع عن وطنه أو يدفع المعتدي على دين اللّه . إسلام أهل الكتاب على أن جماعة من نصارى نجران احتفظوا بدينهم ، مخالفين في ذلك الأكثرين من قومهم بني الحارث الذين أسلموا من قبل . إلى هؤلاء وجّه النبي خالد بن الوليد يدعوهم إلى الإسلام كي يسلّموا من مهاجمته ولم يلبثوا حين نادى فيهم خالد أن أسلموا ؛ فبعث خالد وفدا منهم إلى المدينة لقيه النبي فيها بالترحيب والمودة . ثم إن جماعة من أهل اليمن عز عليهم أن يخضعوا للواء الإسلام ، لأن الإسلام ظهر بالحجاز ، ولأن اليمن اعتادت أن تغزو الحجاز فلم يغزها الحجاز من قبل قط . إلى هؤلاء أرسل النبي عليّ بن أبي طالب يدعوهم إلى الإسلام ، وقد استكبروا أول الأمر وقابلوا دعوة عليّ بمهاجمته ، ؛ فلم يلبث عليّ أن شتتهم على صغر سنه وإن لم يكن معه إلا ثلاثمائة فارس . وارتدّ المنهزمون ينظمون من جديد صفوفهم . بيد أن عليّا أحاط بهم وأوقع في صفوفهم الرعب ، فلم يجدوا من التسليم بدّا ، وسلّموا وأسلموا وحسن إسلامهم ، وأنصتوا إلى تعاليم معاذ وأصحابه ، وكان وفدهم آخر وفد استقبله النبي بالمدينة قبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى . تجهز النبي للحج بينما كان عليّ يتأهب للعودة إلى مكة كان النبي يتجهز للحج ويأمر الناس بالتجهز له . ذلك أن أشهر السنة استدارت وأقبل ذو القعدة وأوشك أن يولي ولم يكن النبي قد حج الحج الأكبر وإن يكن قد اعتمر فأدى الحج الأصغر قبل ذلك مرتين . وللحج مناسك يجب أن يكون عليه السلام قدوة المسلمين فيها . وما كاد الناس يعرفون ما صحّ عليه عز النبيّ ودعوته إيّاهم للحج معه حتى انتشرت الدعوة في كل ناحية من شبه الجزيرة . وحتى أقبل الناس على المدينة ألوفا ألوفا من كل فج وحدب : من المدائن والبوادي ، من الجبال والصحاري ، من كل بقعة في هذه البلاد العربية المترامية الأطراف ، التي استنارت كلها بنور اللّه ونور نبيه الكريم . وحول المدينة ضربت الخيام لمائة ألف أو يزيدون جاؤوا تلبية لدعوة نبيّهم رسول اللّه عليه أفضل الصلاة وأتمّ السلام . جاؤوا إخوة متعارفين تجمع بينهم المودّة الصادقة والأخوّة الإسلامية ، وكانوا إلى سنوات قبل ذلك أعداء متنافرين . وجعلت هذه الألوف المؤلّفة تجوس خلال المدينة ، وكلّ باسم الثغر ، وضّاح الطلعة ، مشرق الجبين ، يصف اجتماعهم انتصار الحق وانتشار نور اللّه انتشارا ربط بينهم وجعلهم جميعا كالبنيان المرصوص . مسيرة المسلمين إلى الحج وفي الخامس والعشرين من ذي القعدة من السنة العاشرة للهجرة سار النبيّ وأخذ نساءه جميعا معه ، كلّ